الشوكاني
455
فتح القدير
سورة يونس الآية ( 60 - 64 ) أشار سبحانه بقوله ( قل أرأيتم ما أنزل الله ) الخ إلى طريق أخرى غير ما تقدم في إثبات النبوة ، وتقرير ذلك ما حاصله أنكم تحكمون بتحليل البعض وتحريم البعض ، فإن كان بمجرد التشهي والهوى فهو مهجور باتفاق العقلاء مسلمهم وكافرهم ، وإن كان لاعتقادكم أنه حكم الله فيكم وفيما رزقكم فلا تعرفون ذلك إلا بطريق موصلة إلى الله ، ولا طريق يتبين بها الحلال من الحرام إلا من جهة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده ، ومعنى أرأيتم : أخبروني ، و ( ما ) في محل نصب بأرأيتم المتضمن لمعنى أخبروني - وقيل إن " ما " في محل الرفع بالابتداء وخبرها " آلله أذن لكم " و " قل " في قوله ( قل آلله أذن لكم ) تكرير للتأكيد والرابط محذوف ، ومجموع المبتدأ والخبر في محل نصب بأرأيتم والمعنى : أخبروني الذي أنزل الله إليكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ، آلله أذن لكم في تحليله وتحريمه ( أم على الله تفترون ) وعلى الوجهين ، فمن في منه حراما للتبعيض ، والتقدير : فجعلتم بعضه حراما وجعلتم بعضه حلالا وذلك كما كانوا يفعلونه في الأنعام حسبما سبق حكاية ذلك عنهم في الكتاب العزيز ، ومعنى إنزال الرزق : كون المطر ينزل من جهة العلو ، وكذلك يقضى الأمر في أرزاق العباد في السماء على ما قد ثبت في اللوح المحفوظ من ذكره سبحانه وتعالى لكل شئ فيه . وروى عن الزجاج أن " ما " في موضع نصب بأنزل - وأنزل بمعنى خلق كما قال - وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج - وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد - وعلى هذا القول والقول الأول يكون قوله ( قل آلله أذن لكم ) مستأنفا ، قيل ويجوز أن تكون الهمزة في ( آلله أذن لكم ) للإنكار ، وأم منقطعة بمعنى : بل أتفترون على الله ، وإظهار الاسم الشريف وتقديمه على الفعل للدلالة على كمال الافتراء . وفي هذه الآية الشريفة ما يصك مسامع المتصدرين للإفتاء لعباد الله في شريعته ، بالتحليل والتحريم والجواز وعدمه ، مع كونهم من المقلدين الذين لا يعقلون حجج الله ، ولا يفهمونها ولا يدرون ما هي ، ومبلغهم من العلم الحكاية لقول قائل من هذه الأمة قد قلدوه في دينهم ، وجعلوه شارعا مستقلا ، ما عمل به من الكتاب والسنة فهو المعمول به عندهم ، وما لم يبلغه أو بلغه ولم يفهمه حق فهمه ، أو فهمه وأخطأ الصواب في اجتهاده وترجيحه ، فهو في حكم المنسوخ عندهم المرفوع حكمه عن العباد ، مع كون من قلدوه متعبدا بهذه الشريعة كما هم متعبدون بها ومحكوما عليه بأحكامها كما هو محكوم عليهم بها ، وقد اجتهد رأيه وأدى ما عليه . وفاز بأجرين مع الإصابة وأجر مع الخطأ ، إنما الشأن في جعلهم لرأيه الذي أخطأ فيه شريعة مستقلة ، ودليلا معمولا به ، وقد أخطئوا في هذا خطأ بينا ، وغلطوا غلطا فاحشا ، فإن الترخيص للمجتهد في اجتهاد رأيه يخصه وحده ، ولا قائل من أهل الإسلام المعتد بأقوالهم أنه يجوز لغيره أن يعمل به تقليدا له واقتداء به ، وما جاء به المقلدة في تقوم هذا الباطل ، فهو من الجهل العاطل ، اللهم كما